الأحد، 26 مايو 2013

الرسام


 الرسام
في قرية في أقاصي البلاد رجل إشتهر بفنه في التعبير عن البهجة والسرور و قد كسب من فنه ما جعله من أثرياء بلدتة , لم يكن هذا الرسام المبدع معروفاً غير أنه رسام البهجة والسرور , كانت رسوماته الرقيقه تعبرعن ما بداخل الإنسان من سعادة فما كان يضع لمسته على اللوحة إلا أن تصير صورة من صور الجمال , عندما ترى الرسام ترى وجهة الشاحب فتظن ويظن الناس أنه يقضي ليله و نهاره في فنه ورسوماته ولم يتخيل أحد أن بداخله تعاسه و حزن و كل يوم يمر عليه يزداد فيه وجهه ظلاماً و سواداً و لوحاته تزداد بهجة و نضرة و في يوم زاره شخص يشبهه في ظلامه ووجهه الشاحب ..... زاره ليرى رسوماته و لوحاته و ظل يزوره لثلاث أيام و في يومه الثالث دقق النظر في وجه الرسام فرأى ما لم يره أحد فطلب منه رسم لوحه له يصور فيها واقع الحياة ووعده بضعف ثروته و قصر أكبر من قصره
..... بدا الرجل متوسط الحال و لا يملك هذا القدر من المال ولكنه عرض عليه المال و القصور مقابل لوحه بسيطه ..... وافق الرسام على طلبه و قرر البدء في منتصف اليله حتى إذا أدركها أدرك صعوبة الموقف و أنه إعتاد على رسم نمط محدد من الرسومات ..... فأمسك بفرشاته و ألوانه ثم وقف أمام اللوحه ناصعه البياض مدة طويلة يتساءل من أين يبدأ .... كيف يصور الواقع.. كيف يصور هذا الحزن و الأسى الذي بداخله ....بدأ في الرسم فأطلق العنان لنفسه و بدأ يصور واقعه و حياته و بعد أن انتهى من لوحته بدأ في الرسم على جدران قصره من الداخل فصور كيف ابتدت و كيف كان الأسى طعمها وصور فقدان الحبيب و فقدان الروح صور حياته كلها على جدران القصر الفسيح وكانت اللوحه التي طلبها منه الرجل تنم عن ضباب في ظلام حالك إذا دققت النظر في الصورة رأيت رجلاً ينزف و يتألم وإذا نظرت الى وجهه عرفت معنى الألم و الغضب معاً و تجعلك تشعر بالشفقة عليه ...... وظل يرسم على جدران قصره ثلاث أيام لا يستريح لا ينام وأقفل باب قصره فلا يزوره أحد وظل يرسم حتى إزداد وجهه الشاحب ظلاماً و إزداد جسده الضعيف ضعفاً ...... فصور نفسه شبحاً يرسم الوجوه المبتسمة ويرسم الأشجار والسعادة و قلبه حزين متألم....وفي يومه الرابع لم يتحمل جسده هذا الألم وهذا الحزن الدفين فخر صريعاً ....... خر صريعاً بعدما أفضى ما بداخله بعدما واجه نفسه فقتلته ..... وسرى الخبر بين الناس و ظن الناس أن من تسبب في موته ذلك العجوز ذو الوجه المظلم ولكن لم يعلم أحد حقيقته و لم يعرفوا ماذا طلب منه و لم يدركوا أن العجوز من قريتهم وهو رجل فقير لا يملك شئ سوى خبرته في الحياة فعندما نظر للرسام أراد أن يريحه من عذابه الشديد .... فأغراه بالمال والقصور وهو لا يملك شئ لأنه يعلم مصير كل من هرب من واقعه ..... ولكن الهروب في حد ذاته ليس بالجريمة ..... الجريمة أن نصدق أن هروبك يصلح الواقع .... فالرسام استخدم فرشاته في الهروب و صور كل دمعة بداخله الى إبتسامه فقد هرب الى عالم آخر حول فيه الصحراء الى جنة وحول الموت الى حياة والشوك الى ورد ... فبنى عالم آخر هرباً من واقعه فكل يوم يعيشه يزداد واقعه قبحاً حتى إذا قرر أن يواجهه خر صريعاً ولم يتحمل , لم يستطع أهل القرية تفسير ما حدث له فكانوا
يظنون أنه أسعد إنسان على وجه الأرض وكانوا يروا الإبتسامة لا تفارق وجهه ...... ولكن هذه الإبتسامة الشاحبة ما كانت إلا من خياله بعثها إليه ليعيش بها ..... فعندما أراد عدم الهرب ورسم الواقع فأبدع في تصوير الأسى و الألم والضباب الذي يكمن بداخله و قد فسر على الجدران ما وراء هذه الإبتسامة.
"ليست كل إبتسامة تراها في الوجوه تعبر عن الفرح و السعادة فهي ليست إلا إبتسامة أمل لغد أفضل و حياة أفضل"
فها أنا لا تفارقني الإبتسامة ..... إبتسامة الأمل!
المعتصم عبدالله هلال.